أنا “X”: رجل مثلي من غزة تحت القمع
اسمي “X”، أبلغ من العمر 40 عامًا، وُلدت في غزة. منذ سنوات مراهقتي، كنت أعلم أنني مختلف. كنت أشعر بانجذاب نحو نفس الجنس، لكن الخوف من الدين والمجتمع دفعني لإخفاء هذا السر في أعماقي.
طفولة من الصمت والخوف
لم تكن طفولتي سهلة. تعرضت للتحرش الجنسي مرتين، مرة عندما كنت في الخامسة، وأخرى في التاسعة. لم أجرؤ على إخبار أحد، لا أمي ولا أبي. حملت الخوف والرعب في صدري وحدي.
كنت طفلًا نحيفًا، صوتي ناعم، وحركاتي رقيقة. كانوا في البيت ينادونني “بنت” للسخرية. وفي المدرسة والشارع، كانت الضحكات تجرحني كالسكاكين. لم يكن لي أصدقاء، فقط شعور ثقيل بالخجل والعار.
تمثيل مستمر ومحاولات للهرب من الذات
في الجامعة، كان أصدقائي يتحدثون عن مغازلة الفتيات ويتفاخرون برجولتهم. كنت أضحك وأختلق القصص كي أبدو “رجلاً” مثلهم.
بعد التخرج، ضغطت عليّ عائلتي لأتزوج من ابنة عمي. كنت خائفًا، لا رغبة، لا انجذاب. تسببت بمشاكل طوال فترة الخطوبة، فقط لأفشل الزواج. جرحتها، وأنا نادم، لكنني كنت ضائعًا، بلا خيار.
رحلة العلاج الزائف والاكتئاب
ذهبت إلى طبيب نفسي وطلبت علاجًا “للتخلص من الميول المثلية”. وصف لي أدوية مثل “أنافرانيل”، ووقعت في اكتئاب وقلق شديدين. لم يُشفَ شيء.
خلال تلك الفترة، تعرّفت على رجل يعمل حارس أمن. نشأت بيننا علاقة عاطفية قصيرة، مجرد قبلات، لا جنس. لكن الخوف جعلني أبتعد. أخبرت طبيبي عن علاقتنا. وبعد 3 أشهر، سمعت أنه اعتُقل في عمله مع رجل آخر. تعرض للضرب والسجن، وكان متزوجًا. انهارت حياته، وشعرت أنني السبب. عاهدت نفسي أن أدفن مشاعري للأبد.
الزواج… محاولة يائسة للظهور كـ”طبيعي”
تزوجت بعد 4 سنوات. حاولت أن أكون “طبيعيًا”. مارست الجنس مع زوجتي، لكن بمساعدة الفياغرا، رغم أنني لا أعاني من مشاكل جسدية. فقط لأُثبت أنني “مستقيم”. كنت أكذب، جسدي يرتجف، وروحي ميتة.
أزمة الإيمان
درست الأديان، وكنت غاضبًا من الله. لماذا يخلقني هكذا ثم يعاقبني؟ بمرور الوقت، رأيت الأديان كاختراعات بشرية. أخبرت زوجتي أنني لم أعد أؤمن بالإسلام. أخبرت عائلتها. تغير كل شيء.
طلبوا الطلاق. كنت ممزقًا. فكرت بأطفالي، لكنني أردت أن تجد زوجتي من يحبها بصدق، لا من يمثل عليها الحب. انفصلنا.
أب مثلي… وابن مراهق
لدي الآن طفلان، فتاة وصبي. يومًا ما، وجدت ابني، عمره 15 سنة، يشاهد محتوىً مثليًا. توقّف الزمن.
هل هو مثلي؟ هل سيعاني مثلي؟ هل سيتعرض للسجن والضرب والإذلال؟ قلبي يرتجف عليه كل يوم. أخاف أن يشعر بما شعرت به: وحدة، قهر، حزن. لولا الأدوية، لكنت أنهيت حياتي منذ زمن.
أصدقاء افتراضيون ومآسي حقيقية
تعرفت عبر فيسبوك على شاب مثلي من غزة. تحدثنا لسنوات دون لقاء. وفجأة، علمت أنه انتحر. بكيت كأنني فقدت أخًا. كانت حياته مثلي: مخفية، مقموعة، ثقيلة بالخوف.
الاعتقال والتعذيب
في 2020، كتبت منشورًا ضد الإخوان المسلمين والدين. تم التبليغ عني. اعتُقلت، تعرضت للضرب، وسُجنت شهرًا. عشت الجحيم.
في أحد الأيام، سمعنا صراخًا. شابان قُبض عليهما في الحمام يقبلان بعضهما. سجين آخر أبلغ عنهما. سُحبوا من الزنزانة، وضُربوا حتى صرخوا. لم أنسَ تلك الصرخات.
في العيد، سُمح لي بالخروج. ذهبت لأطلب صندلي الذي أُخذ بالغلط. قادني الضابط إلى غرفة صغيرة بلا نوافذ. داخلها الشابان، رؤوسهما محلوقة، أجسادهما مليئة بالكدمات. وقفا كالأشباح، بصمت. لم أنم لعدة ليالٍ.
أن تكون مثليًا في غزة
أن تكون مثليًا في غزة، يعني أن تعيش وحيدًا، خائفًا، محطمًا، في ظل نظام ديني يعتبرك نجسًا يجب محوه.
لا قانون يحميك. لا طبيب يسمعك. لا أحد يراك إنسانًا.
الإطار القانوني في غزة
لا تزال غزة تطبّق قانون العقوبات الفلسطيني رقم 74 لعام 1936 (من عهد الاحتلال البريطاني).
المادة 152: “من يرتكب فعلًا جنسيًا غير طبيعي يُعاقب بالسجن حتى عشر سنوات”.
يُفسَّر هذا النص غالبًا ليشمل العلاقات المثلية بالتراضي. ورغم أنه لا يُطبَّق دائمًا في المحاكم، إلا أنه يُستخدم لتبرير الاعتقالات والفضائح والتعذيب.
اضطهاد منهجي من حماس
- الاعتقال التعسفي عند الاشتباه
- التعذيب الجسدي والنفسي
- الابتزاز باستخدام التصاريح الأمنية
- الحبس الانفرادي في زنازين مظلمة
شهادات دولية
وثّقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة حالات كثيرة لتعذيب واحتجاز مثليين في غزة. منصة “Queering the Map” تضم شهادات مؤلمة من شباب مثليين يعيشون في رعب.
“أنا فقط أريد أن أحب… دون أن أُقتل من أجل ذلك.”
قضية محمود إشتوي
في 2016، أُعدم قائد بارز في كتائب القسام يُدعى محمود إشتوي. اتهموه رسميًا بالفساد الأخلاقي والاختلاس، لكن تقارير دولية تحدثت عن اتهامات خفية تتعلق بميوله الجنسية.
احتُجز سرًا، ومُنعت عائلته من حضور جنازته. بدت على جسده آثار تعذيب. الكثيرون يرون أن السبب الحقيقي كان “مثليته المفترضة”.
أريد فقط الحياة
كل ما أريده الآن هو حياة هادئة لي ولابني. لا أريده أن يكرر مصيري. لا أريده أن يكره جسده أو يخاف مشاعره.
في غزة، أن تكون مثليًا، يعني أن تؤدي دورًا كاذبًا مدى الحياة… أو تموت.
ورغم كل شيء، لا زلت أتنفس. لا زلت أكتب. ربما يصل صوتي إلى أحد.
بقلم “X” — اسم مستعار لحماية الهوية
إذا كنت تعاني، فأنت لست وحدك.