هل كان عمر بن الخطاب – ثاني الخلفاء الراشدين – يميل جنسيًا إلى الذكور؟ تعالوا نستعرض معًا جولة في بعض المصادر والمراجع الإسلامية، التي تطرح إشارات وتلميحات تستحق التوقف والتأمل.
كنتُ قد كتبت سابقًا مقالًا موسّعًا عن موضوع المثلية الجنسية في الحضارة الإسلامية، خاصة بين الحكّام والخلفاء، مع التركيز على العصر العباسي، الذي ظهرت فيه علاقات المودة والحميمية بين الرجال بشكل علني في أوساط القصور، خصوصًا بين الخلفاء والنُدماء من “الولدان”، وهم الفتيان الذين كان يتم إعدادهم للخدمة والرفقة، وربما أكثر من ذلك.
ما يثير الاهتمام أن هذا الأمر لم يكن مستهجنًا في تلك العصور بنفس الطريقة التي يُستقبل بها اليوم، بل إن الأدب العربي الكلاسيكي امتلأ بالأشعار والنصوص التي تُظهر تفضيل بعض الخلفاء لمجالسة ومصاحبة الفتيان. ويُعزى هذا جزئيًا إلى فهمهم الخاص لبعض الصور الواردة في القرآن عن “الولدان المخلدين”، الذين صُوِّروا كخدم في الجنة، ما فُسِّر من بعضهم على أنه إشارة رمزية إلى المتعة وليس فقط الخدمة، وإن كانت التفاسير قد تنوّعت حول هذا المفهوم.
وتُظهِر كتب التاريخ أن هذه الظاهرة لم تتوقف عند العباسيين، بل امتدت إلى عصور لاحقة، مثل عصر المماليك، الذين كان كثير منهم من أصول شركسية أو تُركية، وجرى استقدامهم وهم صغار في السن. وقد نشأت علاقات خاصة مع بعضهم داخل أروقة الحكم، وسُمّوا بالمماليك لأنهم كانوا “مملوكين” في الأصل، قبل أن يتحوّلوا إلى طبقة عسكرية حاكمة.
وفي هذا السياق، لا يمكننا تجاهل الإشارات التي وردت في بعض الكتب القديمة حول شخصيات مبجّلة في التاريخ الإسلامي، مثل عمر بن الخطاب. فهناك أدعية وروايات منسوبة إلى بعض أئمة أهل البيت، كالذي نقله ابن طاووس في كتاب “مهج الدعوات”، ينقل فيه دعاءً منسوبًا للإمام الحسن العسكري، يشير فيه إلى هيمنة “غير المأمونين” على الحكم، ويصفهم بأنهم “معادن الأُبَن”.
وعند الرجوع إلى معاجم اللغة، نجد أن مصطلح “الأُبَن” يُستخدم للدلالة على ميول جنسية مختلفة عند الرجال، وقد أُثيرت الكثير من النقاشات حول هذه الكلمة ومعانيها. وفي رواية أخرى ينقلها العياشي عن الإمام جعفر الصادق، يُستفاد منها أن استخدام لقب “أمير المؤمنين” لغير الإمام علي بن أبي طالب، يُعد أمرًا غير لائق، بل إن الإمام اعتبر أن من تُطلِق عليه هذا اللقب دون وجه حق، فقد يكون شخصًا قد تعرّض لعلاقات حميمة من نوع خاص.
وقد أورد نعمة الله الجزائري في “الأنوار النعمانية” أن في بعض المصادر المنسوبة إلى السيوطي، تُذكَر إشارات صريحة إلى أن عمر بن الخطاب كانت لديه حالة صحية خاصة، لا تُعالَج إلا بما وُصف بأنه “ماء الرجال”، وهو تعبير أثار الجدل، خاصة مع محاولات لاحقة لإعادة تفسيره أو نفيه.
ويُذكر أن طبعات قديمة من “صحيح البخاري” (النسخة الهندية تحديدًا) ورد فيها ذكر مشابه، قبل أن يتم حذف هذا المقطع من الطبعات الحديثة، كما حصل مع شرح ابن حجر العسقلاني الذي فسّر “ماء الرجال” بأنه نبات يُجلب من اليمن، في محاولة واضحة لتخفيف وقع المعنى الأصلي. ولا يخفى أن التراث الإسلامي خضع عبر العصور للعديد من التعديلات والتنقيحات، سواء في العهد العباسي أو حتى في العصور الحديثة، ضمن محاولات تجديد الخطاب الديني.
ومن بين النصوص التي لا تزال باقية، ما ورد في كتاب “طبقات ابن سعد” (الجزء 3، صفحة 289)، على لسان عمر بن الخطاب نفسه:
“ما بقيَ فيَّ شيء من أمر الجاهلية إلا أني لست أبالي إلى أيّ الناس نكحت، وأيّهم أنكحت”.
وهذا القول يُعد غريبًا ومحيرًا، ويثير أسئلة حول ما يقصده فعلًا. فلو كان يعني به الزواج بمعناه التقليدي، فلماذا يصفه بأنه من “أمر الجاهلية”؟ وهل كان يقصد بذلك تعبيرًا عن لا مبالاته بأدواره في العلاقات، أيًا كانت، وهو أمر قد يفتح بابًا لفهم أكثر مرونة لما كان يُعتبر مقبولًا اجتماعيًا آنذاك؟
بالتأكيد، سيعترض البعض على هذا الطرح، باعتباره مستندًا إلى مصادر شيعية أو متأخرة. لكن البحث التاريخي لا يجب أن يُقيَّد فقط بمصادر فئة معينة. فالرؤية الشاملة لا تُبنى إلا من تعدد الروايات، حتى وإن اختلفت التوجهات المذهبية. البحث النزيه لا يخشى من تقاطع المرويات، بل يسعى من خلالها للوصول إلى الحقيقة.
والأهم في كل ذلك، هو إدراكنا أن الميول الجنسية – أكانت مغايرة أو مثلية – ليست مؤشرًا على صلاح أو فساد الإنسان، وإنما هي جزء من طبيعته الإنسانية. وإذا كانت بعض المصادر القديمة قد تناولت هذه الميول من منظور سلبي، فذلك يعكس طبيعة مجتمعاتها، لا الحقيقة الكاملة للإنسان.
فالمثلية ليست جريمة، ولا يجب أن تكون موضع شيطنة. بل على العكس، هي أحد جوانب التنوع الإنساني التي لطالما وُجدت، حتى في أوساط الصحابة والخلفاء. والمهم هو احترام الفرد وكرامته، بغض النظر عن ميوله أو خلفياته.