وُلد أيان في منطقة سكرة، في بيئة لم تتقبّل يومًا اختلافه. كان يحمل بطاقة هوية باسم أنثى، بينما كان يعيش إحساسًا دائمًا بالغربة عن هذا الجسد وهذه الهوية. منذ صغره، شعر بثقل النظرات والأحكام، وكأن حياته لا تُرى إلا من خلال منظور “العار” و”الحرام” الذي تردده العائلة والمجتمع. أرادوا غصبا أن يلبس الحجاب وهو طفل، وأجبروه على ارتداء الفساتين رغم شعوره العميق بالرفض. لم يجد أي دعم من عائلته، باستثناء حب صغيرات شقيقته اللواتي كنّ ينظرن إليه ببراءة، ومع مرور الوقت قدّمن له بعض الدعم الذي افتقده من الجميع. في المدرسة، تعرّض أيان للطرد ثلاث مرات، وللتنمر والضرب من الزملاء وحتى من بعض المدرّسين. كان يصرخ في داخله: “شنوة ذنبي؟” لكنه لم يجد من يجيب. حتى أقرب الناس إليه كانوا يعتبرونه “عارًا على العائلة”.
هروب من القمع… بحث عن الحياة
ازدادت الضغوط بعد أن تم ربط اسمه بأحداث إرهابية، فقط لأن شقيقه سافر إلى سوريا. أصبح تحت المراقبة، وتعرّض للاستجواب والتهديد والإيقاف وكأنهم وجدوا أخيرا سببا لإيقافه. لم يعد قادرًا على العيش في تونس، فبدأ رحلة شاقة: تونس – البرازيل – غويانا، باحثًا عن مكان آمن. يذكر أيان أن تونس كانت صعبة دائمًا على الأقليات، لكن بعد 25 جويلية، أصبحت الحياة أكثر قسوة. حتى الجمعيات التي كانت تحاول تقديم المساعدة أُجبرت على التوقف أو العمل في الخفاء. فالمجريات الجديدة منعتهم من الحصول على التمويل الإنساني من الخارج، وفي الداخل يخاف الجميع من المساعدة علنًا. في بداية مشواره، حصل أيان على جلسات دعم نفسي من جمعية محلية، لكن بعد أشهر، توقفت هذه الخدمة لغياب التمويل، فوجد نفسه مجددًا في مواجهة وحدته وألمه. “في تونس، حتى اللي يحب يعاونك يخاف. صارت البلاد أضيق، وكل شيء صار محسوب، وحتى الجمعيات ما عادش تنجم تساعد”. وصل إلى غويانا بلا مأوى، بلا دخل، و بيد فارغة وقلب يملأه الأمل. عاش في مخيمات استقبال، مختلطًا بأشخاص من خلفيات مختلفة، أغلبهم مجرمون خطرون جاؤوا فرارا من عقوبات ببلدانهم. لم يجد دعمًا من جمعيات مجتمع الميم في البداية بل لاحظ غيابها التام هنالك، لكنه قرر الصمود. بعد مقابلة مع المكتب الفرنسي للهجرة والاندماج، حصل على الإقامة، ثم جواز سفر اللاجئين الفرنسي. وان لا يحق له التصويت بهذا الجواز، فإنه شعر لأول مرة أن لديه هوية تحترم وجوده وتمكن بمساعدة طبيب نفسي قابله هنالك وآواه وكان سندا له في هذه المرحلة الصعبة من رحلته بل وساعده في تسريع المطالب وتعجيل سفره لفرنسا.
العمل… والتمييز
في فرنسا، بدأ أيان العمل، لكن حمله لاسم أنثوي في الوثائق كان سببًا في سخرية البعض، وحتى في تقليل أجره مقارنة بزملائه الرجال. كان يُقال له: “هذا ليس عملك، أنتِ فتاة وتزاحميننا” وأحس أنه رغم أنه بنفس الانتاجية يسرق تعبه ولا يجازى على مجهوده لكن واصل صبره حتى يصل إلى هدفه. الفرق بين تونس وفرنسا كان واضحًا بالنسبة له: هنا، يمكن أن يجد الدعم والمساندة، وهناك، كان يعيش في خوف دائم.
العبور الجندري: حقّ مؤجل
اليوم، لا يزال أيان ينتظر إتمام عمليات العبور الجندري. يرى أن هذا ليس رفاهية، بل حقّ إنساني أساسي. يحلم بالعودة إلى تونس، لكن إلى تونس متغيّرة، تحترم أبناءها وبناتها من جميع الهويات. “ربي خلقني هكّا… ما نيـش مُعاق. مدارسنا لازم توعي وتعلّم باش تتبدل تونس. من الطفولة لازم توصل المعلومة للأمهات والآباء. اللي في وضعيتي في تونس، نصيحتي ليهم يخرجوا بأي طريقة، خاطر في تونس باش تبقى مظلوم”.
رسالة أمل
أيان يشكر كل من سانده، من الأستاذ منيـر بعطور في فرنسا، إلى الأصدقاء الذين مدّوا له يد المساعدة. ويشكر نفسه أولاً على عزيمته وصموده: “نتمنى النجاح لأي شخص في وضعيتي، ما تيأسوش. لازم نبقى قويين وإيجابيين. بلادنا لازم تكون للناس الكل، ما تبقاش جاهلة. تتقدّم بالعلم والتعليم”.