مقدمة
ليست هذه مجرد قضية قانونية عابرة، بل هي مأساة إنسان يبحث عن حقه في أن يكون مختلفًا. منير بعتور، مواطن تونسي، وجد نفسه في مواجهة آلة قضائية لا ترحم، فقط لأنه عبّر عن قناعاته الشخصية. هذا المقال لا يروي فقط تفاصيل حكم غيابي أو تهم قانونية، بل يُسلّط الضوء على الصراع العميق بين حرية الضمير وسلطة المقدّس، بين الدستور المكتوب والواقع القضائي. إنها قصة إنسان، وصراع مجتمع مع اختلاف أبنائه، وتذكير بأن الكلمة الحرة قد تُكلفك حريتك.
في الوقائع:
التهم الموجهة من طرف القطب القضائي لمكافحة الإرهاب:
التكفير أو الدعوة إليه أو التحريض على الكراهية أو التباغض بين الأجناس والأديان والمذاهب أو الدعوة إليهما والدعوة مباشرة بواسطة وسيلة من وسائل الإعلام السمعي أو البصري أو الإلكتروني إلى الكراهية بين الأجناس والأديان والسكان وذلك بالتحريض على التمييز واستعمال الوسائل العدائية والعنف ونشر أفكار قائمة على التمييز العنصري والتحريض على الكراهية والعنف والتفرقة والفضل والعزل ضد كل شخص أو مجموعة أشخاص أساسه التمييز العنصري المرتبطتين بالجريمة الإرهابية المذكورة طبق الفصول 1 و13 جديد و14 و40 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال والمتمم بالقانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019 مؤرخ في 23 جانفي 2019. والفصلين 50 و52 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والنشر والطباعة والفصلين 3 و9 من القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2018 مؤرخ في 23 أكتوبر 2018 يتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.
تعمد منير بعتور تنزيل تدوينة على صفحة حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي الفايسبوك أساء خلالها إلى شخص النبي الأكرم محرضا بذلك على الكراهية والتباغض بين الأديان والمقدسات وبنفس التاريخ تقدم المحامي وسام عثمان إلى الوكالة العامة بمحكمة الإستئناف بتونس بشكاية في نفس الموضوع… فأذنت النيابة العمومية بفتح بحث تحقيقي.
التحقيق اعتبر أن التدوينات تتعلق بمضامين الكترونية تضمنت دعوة مباشرة للكراهية بين الأديان من خلال ازدراء وتحقير المقدسات.
التهم الموجهة من طرف وكيل الجمهورية:
لكن الملف يخلو مما يدل على تبني المظنون فيه لمشروع فردي أو جماعي يدخل ضمن المشاريع الموصوفة بالفصل 13 من قانون الإحالة وذلك بمناسبة تنزيله للمضامين الإلكترونية المذكورة الأمر الذي يتعين معه حفظ جريمة التكفير والدعوة إليه والتحريض على الكراهية والتباغض بين الأجناس والأديان والمذاهب والدعوة إليهما لعدم توفر أركانها.
إن ما ثبت من أفعال في شأن المظنون فيه تتوفر معه الأركان القانونية لجريمة الفصلين 50 و52 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر.
الفصل 50 – “يعاقب كمشاركين في ارتكاب ما يمكن أن يوصف بجنحة على معنى الفصل 51 وما بعده من هذا المرسوم كل من يحرّض مباشرة شخصا أو عدّة أشخاص على ارتكاب ما ذكر ممّا يكون متبوعا بفعل وذلك إما بواسطة الخطب أو الأقوال أو التهديد في الأماكن العمومية وإما بواسطة المطبوعات أو الصور أو المنقوشات أو الرموز أو بأي شكل من الأشكال المكتوبة أو المصورة المعروضة للبيع أو لنظر العموم في الأماكن العمومية أو الاجتماعات العامة وإما بواسطة المعلقات والإعلانات المعروضة لنظر العموم وإما بواسطة أي وسيلة من وسائل الإعلام السمعي والبصري أو الالكتروني.”
الفصل 52 – “يعاقب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبخطية من ألف إلى ألفي دينار كل من يدعو مباشرة بواسطة وسيلة من الوسائل المبيّنة بالفصل 50 من هذا المرسوم إلى الكراهية بين الأجناس أو الأديان أو السكان وذلك بالتحريض على التمييز واستعمال الوسائل العدائية أو العنف أو نشر أفكار قائمة على التمييز العنصري.”
قضت المحكمة الإبتدائية بتونس غيابيا بسجن المتهم مدة عام وتخطئته بألف دينار مع ابقاءه تحت المراقبة الإدارية مدة عامين. عدد القضية 1110/23330/2020 بتاريخ 11 أكتوبر 2021.
التعليق:
التعبير عن الأفكار اللادينية والإلحادية: جريمة بدون ضحية
لا توجد في القانون التونسي جريمة تتعلق بالإلحاد أو الردة أو نقد الأديان. مهما كان نص الإحالة الذي على أساسه تقع إدانة الملحدين واللادينيين يعتبر ذلك مسا من مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات. إذ في العديد من القضايا والتي منها قضية الحال يقع الحكم بالسجن على الأشخاص الذين يعبرون عن آرائهم الإلحادية أو اللادينية.
والسؤال المطروح في هذا الإطار: هل يطبق القاضي القانون الوضعي أم القانون الإسلامي؟ إذ أن علوية القانون لا تعني البتة التشريع الإسلامي… هل يمثل القاضي كل التونسيين؟ أم هل هو قاضٍ يفرض معتقداته وقناعاته الدينية الإسلامية في قراراته القضائية ويفض النزاع بين الطرفين حسب المعتقدات؟
يبدو أن القاضي في قضية الحال غير محايد ومنحاز لدين الأغلبية وحامٍ للمؤمنين على حساب الملحدين. إذ بتطبيقه للفصلين 50 و52 من المرسوم المذكور تجاوز القاضي أهداف النص وفلسفة المشرّع التحررية. إذ من أهداف هذا المرسوم ضمان حرية التعبير طبقا للدستور وللمعاهدات الدولية.
وللتذكير فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يحمي الأفكار اللادينية والإلحادية ولا يعتبر التعبير عنها جريمة بل هو تعبير عن قناعات الفرد ووجدانه وفكره.
إذ تحمي حرية الفكر والوجدان والدين كما وردت بالفصل 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية العقائد التوحيدية وغير التوحيدية والإلحادية وكذلك الحق في عدم اعتناق أي دين أو عقيدة. كما تؤكد اللجنة الأممية لحقوق الإنسان على حماية اللادينيين والملحدين خاصة وأنهم قد يتعرضون للعداء من جانب طائفة دينية مهيمنة.
ثم إن الدعوة للكراهية كما وردت بنص الإحالة الذي طبقه القاضي لإدانة منير بعتور تتعلق بالأشخاص وليس بالأفكار. نقد دين معين ليس كنقد شخص ينتمي لدين. إذ أنه في الحالة الأولى لا وجود لضحية إذ أن الأمر يتعلق بنقد فكرة. أما في الحالة الثانية فالضحية هي الشخص الذي وقع نقده لكونه ينتمي لدين.
وبالتالي فإن القاضي يكون منحازا لقناعاته التي يشترك فيها مع الشاكي والذي اعتبر أن نقد نبي الإسلام يمثل اعتداء على مقدسات المسلمين بالرغم من عدم وجود ضحية أو صاحب حق يطلب التعويض من القاضي.
بالإضافة لذلك، ما يمكن استخلاصه هو أنه عندما يحاول اللادينيون أو الملحدون المطالبة بحمايتهم بالقانون أو الترويج لأفكارهم، قد يتعرضون للتضييق أو حتى للمحاكمة باسم الحفاظ على النظام العام. ولكن في هذه الحالة أيضًا ستعطي الدولة الأولوية لدين الأغلبية، باعتبار أن مثل هذه الآراء تهدد استقرار المجتمع “المسلم”.
في هذا الإطار، يمكن لشخص لاديني أو ملحد أو ينتمي لعقيدة أخرى غير تلك التي تنتمي إليها الأغلبية أن يخسر حقوقه بمجرد تطبيق نص لا يجرم صراحة معتقدات هؤلاء. فحتى أن بعض المقتضيات تتناقض وما ينص عليه الفصل 22 من الدستور: “تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم.” فالمؤمنون وغير المؤمنين يجب حمايتهم واحترامهم من طرف الدولة وأجهزتها.
والسؤال المطروح في هذا الإطار هو: هل أن القاضي سيؤسس نص حكمه على “مقاصد الإسلام الحنيف”؟ كما جاء بالفصل 5 من دستور 2022؟ أم “على ضمان حرية الفرد”؟ كما جاء بالفصل 26 عندما يتعلق الأمر بنقد عناصر الإسلام دين الأغلبية أو ما يسمى أيضا بالمقدسات؟
لكن ولئن أشار الفصل 26 من الدستور إلى ضمان الحريات الفردية فإنها تبقى إشارة ناقصة لأن الدستور من المفروض أن يتوجه نصه لكل المواطنين مهما كان دينهم أو أفكارهم أو معتقداتهم وأن يعتني بالمؤمنين وبغير المؤمنين على حد سواء.
إلا أن الدستور يشير في نفس الوقت إلى أن “تونس جزء من الأمة الإسلاميّة” وكأن أفراد الشعب التونسي ينتمون بالضرورة إلى دين واحد أو أن كل أفراد الشعب من المؤمنين. فعبارة “الأمة” تحيل إلى مجموعة واسعة، غير واضحة ولا يمكن حصرها.
وبالتالي فإن المشكك أو اللاديني أو الملحد قد يتعرض في هذه الحالة لعوائق تحول دون ممارسته لحرية الفكر والتعبير والضمير لمجرد نقده لدين الأغلبية وعناصره التي تشكل ما تعتبره الأغلبية “مقدسا”.
فالتوطئة تشير إلى الحرص “على التمسّك بالأبعاد الإنسانيّة للدّين الإسلامي”، ولسائل أن يسأل: ماذا سيحصل لملحد تونسي لو أنه تعبيرا عن معتقداته اللادينية نقد دين الأغلبية؟ فهل سيقع تتبعه قضائيا من أجل “التهجم” على الدين الإسلامي؟
لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن “المقدس” مفهوم واسع وغير واضح ولا يرتبط في كل الحالات بالدين. فهناك المقدس غير الديني. فالوطن أيضا مقدس كما جاء بالفصل 14 من دستور 2022: “الحفاظ على وحدة الوطن والدفاع عن حرمته واجب مقدس على كل المواطنين”.
فقدسية الوطن تحيل على كل المواطنين مهما كانت انتماءاتهم الدينية واللادينية. فصفة المواطنة تكفي لإضفاء القدسية على واجب حماية الوطن. أما المقدس الديني فهو خارج عن دائرة المواطنة ويتعلق بالشخص وليس بالمجموعة الوطنية.
فأيهما أهم بالنسبة للمشرّع والقاضي؟ حماية المقدس الديني للشخص؟ أم حماية المقدس الوطني الذي يشترك فيه كل المواطنين مهما كانت اختلافاتهم؟
وللتذكير أيضا فإن حرية الضمير والتعبير والفكر من المقدسات أيضا بالنسبة للّاديني والملحد، فما فائدة التنصيص عليهم دستوريا إذا كانت ممارستهم ممنوعة بإسم حماية المقدس الديني؟
أليس من الأجدر حماية الأفراد الذين يمارسون حرياتهم الدينية بدل حماية مفهوم مجرد لأن هذا المفهوم بطبيعته متغير من بلد لآخر ومن مدينة لأخرى وحتى داخل المدينة نفسها؟
فتتبع الأشخاص من أجل التعبير عن معتقداتهم اللادينية أو الإلحادية لا يمس من حرياتهم الفردية فقط بل يفقدهم أيضا مواطنتهم، وكأن هذه الأخيرة مرتبطة بإيمان الشخص بمعتقدات الأغلبية وليس بانتمائه للوطن.
وغالبا ما يكون التتبع القضائي بتوجيه الاتهام لهؤلاء الأشخاص على أساس الدعوة إلى الكراهية بين الأديان. وفي قضية الحال يتعلق الأمر بتعمد منير بعتور “تنزيل تدوينة على صفحة حسابه على شبكة التواصل الاجتماعي الفايسبوك أساء خلالها إلى شخص النبي محرضا بذلك على الكراهية والتباغض بين الأديان والمقدسات.”
فإذا ما وقع اعتبار أن ما أتاه منير بعتور يسبب “الكراهية بين الأديان”، لا تشاطر لجنة حقوق الإنسان رأي المحكمة فيما يخص آراء المتهم. فإن لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة لم تعترف بفكرة حماية “المقدسات” كما أنها لا تدعم منع “التشهير بالأديان” كأساس مشروع لفرض قيود على ممارسة حرية التعبير.
ففي أفريل 2011 تخلت الأمم المتحدة عن عبارة «التشهير الأديان» وتبنت القرار رقم 18/16 المتعلق «بمكافحة عدم التسامح والتنميط السلبي والتمييز والتحريض على العنف والعنف ضد الأشخاص بناءً على الدين أو المعتقد» اعترافاً بالقانون الدولي المتعلق بحرية التعبير وحرية الدين ومنع التمييز.
حتى وإن وقع تطبيق مرسوم 115 على الدعوة للكراهية بين الأديان، ماذا عن الدعوة للكراهية ضد الملحد؟ هل أن المرسوم يطبق على المؤمنين بدين معين فقط؟ وبالتالي تمييز بين المواطنين التونسيين المؤمنين وغير المؤمنين بل وتهديد لسلامتهم الجسدية؟
لماذا لا يُجرَّم أيضا التحريض على الكراهية ضد غير المؤمنين؟
لابد من التذكير أن الأمم المتحدة ألغت عبارة ازدراء الأديان ودعت إلى حماية الأفكار الدينية واللادينية على حد السواء، وفي ذلك تطبيق للمساواة أمام القانون وفي القانون، ودعت فقط لتجريم الدعوة إلى الكراهية ضد الأشخاص وليس ضد الأفكار.
ثم في قضية الحال، أين هي الضحية؟ من سيطالب بالتعويض عن الضرر الحاصل؟ ولصالح من؟ هل أن من يرفع دعوى ضد شخص لأنه انتقد الدين الإسلامي أو عنصر منه أو رمز منه يعتبر صاحب الحق كل الشعب؟ من وكله بذلك؟ وهل سيعوض بذلك كل الشعب؟ أليست محاكمة أخلاقية في هذه الحالة؟ هل القاضي رجل دين؟ هل أن القاضي الحامي للدين والمؤمنين؟ أم الحامي لحقوق وحريات كل المواطنين؟
في غياب الضحية، يبدو القاضي غير مهتم بالمبادئ التي يتأسس عليها القانون الجزائي فيبحث في نصوص جزائية معتبرا الضحية هي المجتمع والأخلاق في الآن ذاته.
إذ في بعض الأحيان يقع اتهام من يعبر عن معتقداته اللادينية على أساس أنها تؤدي إلى “تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة” (الفصل 121 ثالثا من المجلة الجزائية) أو بأنه “يعتدي علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علنا إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء” (الفصل 226 مكرر من المجلة الجزائية).
التعبير عن الأفكار اللادينية والإلحادية يجعل المتهم ضحية القانون والمجتمع
عبر منير بعتور على صفحته الخاصة بموقع التواصل الإجتماعي عن رأيه في نبي الإسلام. والتعبير عن الرأي حرية من الحريات المضمونة بالدستور وبالمعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس. وفي الآن ذاته، يعتبر هذا الرأي أيضا ممارسة لحرية الضمير، أي التعبير عن القناعات اللادينية التي يتبناها ككل مواطن تونسي.
لكن المحامي الذي قام بإيداع الشكاية قرر أن يصادر قناعات منير بعتور وكأن قناعات المحامي أهم وأرقى لأنه ينتمي للمؤمنين بدين الأغلبية. وبالتالي أصبح التعبير عن الأفكار اللادينية أو الإلحادية شبيها بمحاكمة شعبية لأفكار الملحدين.
وهو ما يذكر بحكم المحكمة الابتدائية بالمهدية (حكم عدد 1395 بتاريخ 28 مارس 2012) والتي أدانت المواطن التونسي الملحد جابر الماجري بالسجن بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة لانتقاده الدين الإسلامي.
وتتعلق القضية بشخصين عبّرا عن آرائهما الإلحادية عبر وسائل الاتصال الإلكترونية. حيث أصدر المتهم الأول (غازي الباجي) كتابا بعنوان “وهم الإسلام” نشره على موقع إلكتروني وتناول فيه بشكل ساخر جوانب من سيرة نبي الإسلام، وخاصة حياته الجنسية. أما المتهم الثاني (جابر الماجري) فقد نشر صورا كاريكاتورية على صفحته في “فايسبوك” مقتطفة من كتاب غازي الباجي، إضافة إلى كتابات ساخرة عن الإسلام والنبي.
ما يمكن ملاحظته من خلال هذه القضية أن جابر الماجري لا يتمتع بحماية قانونية من أجل تعبيره عن أفكاره الإلحادية. وبالتالي يبدو أن القاضي يطبق القاعدة القانونية ليحمي الحرية الدينية للمؤمنين الذين يمثلون أغلبية المجتمع.
لذلك تصبح حرية الضمير محل تساؤل عندما يتعلق الأمر بحماية دين الأغلبية، وكنتيجة لذلك، يميز القاضي بين الأفراد على أساس معتقداتهم وأفكارهم الدينية أو اللادينية، وكأن جابر الماجري “الملحد” لا يمكن له أن يكون تونسيا لأنه حقر من “مقدسات التونسيين”، بالرغم من عدم وجود نص صريح يجرم “تحقير الإسلام”.
ونفس الشيء ينطبق على قضية منير بعتور، الذي نشر تدوينة يعبر فيها عن أفكاره، فاعتبرتها المحكمة نشرا للكراهية بين الأديان. إن رأي المحكمة لا يبتعد كثيرا عن رأي محكمة المهدية، إذ أن سجن الملحدين في تونس مرتبط بحماية دين الأغلبية على حساب حريات الأفراد.
“وحيث وإن لم يعرف المشرّع التونسي معنى الأخلاق الحميدة بنص الإحالة، إلا أن فقه القضاء التونسي تدخل وحسم الأمر بعد أن اعتبر الأخلاق الحميدة بكونها مجموعة من القواعد الأخلاقية والأعراف والتقاليد والتعاليم الدينية السائدة في المجتمع والتي لا يجوز مخالفتها”.
ما يمكن ملاحظته هو ربط الأخلاق بالدين أولا، وكأن اللادينيين والملحدين لا أخلاق لهم ويجب عليهم تبني نفس القناعات الدينية. وثانيا، يبدو الملحد من خلال هذا التعريف مقصياً من المجتمع التونسي ومن حماية القانون، وكأنه شبه مواطن أو شخص مسلوب الإرادة ولا يمكن أن يتمتع بحماية قانونية إلا بشرط انتمائه للتعاليم الدينية السائدة في المجتمع.
وبالتالي، الضحية الحقيقية في هذه الحالة ليس المجتمع ولا الذين يؤمنون بدين الإسلام، بل هو الملحد واللاديني. فهو من ناحية، ضحية القانون الذي لا يعامله كباقي المواطنين وكأنه قانون وضع فقط لمن يؤمنون بدين معين ويمكن حمايتهم.
ومن ناحية أخرى، يبدو الملحد ضحية المجتمع لأنه متعرض في كل المناسبات للوصم والتهديد بالعنف والكراهية، والذي قد يصل للتهديد بالقتل، فعوض أن يحميهم القاضي يقوم بسجنهم وكأنه يفرض عليهم تبني أفكار ومعتقدات المؤمنين.
بالإضافة لذلك، إن تهمة التكفير ترتقي للجريمة الإرهابية. إذ بعد أن اعتبر التحقيق أن ما قام به المشتكي ليس بالجريمة الإرهابية أو تنفيذا لمشروع فردي أو جماعي لارتكاب فعل من الأفعال المشار إليها بالفصل 13 من قانون مكافحة الإرهاب، تُطرح الأسئلة:
ماذا لو كان المتهم ضحية تكفير؟ هل أن السلطات العامة مستعدة لحمايته؟ وبدلاً من الإصرار على التمسك بتعاليم الإسلام كما ورد بالدستور، هل سيضطر القضاة إلى الاحتكام إلى حقوق الإنسان لمراعاة إنسانية المتهم ومواطنته؟
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة: من الأخطر على المجتمع والنظام العام والأخلاق؟ الدعوة إلى القتل بسبب إلحاد الفرد أم التعبير عن قناعاته الإلحادية؟
فعلاً، فقد كان منير بعتور أثناء تواجده في تونس ضحية تكفير بعد صدور عديد الفتاوى التي نادت بإباحة دمه، وذلك بالاستشهاد بأقوال العلماء مثل الذي نشره الشيخ خميس الماجري في مدونته على الفايسبوك، وغيرهم من الشيوخ الذين دعوا لقتله عملاً باجتهادات الفقهاء المسلمين مثل الشيخ محمد الهنتاتي والمقبور حسن الغضباني.
وتتمثل الفتوى في ما يلي: “لا اختلاف في أن من سب النبي – عليه السلام -، أو عابه، أو نقصه بشيء من الأشياء؛ يقتل، ولا يُستتاب، مسلماً كان أو كافراً أو ذمياً…”.
وعلى عكس سب الذات الإلهية، فإن “سب الرسول فتاب لم تُقبل توبته، ولم يسقط القتل، أو نستتيبه فيتوب حتى لا يُقتل ردة، فيُقتل حداً”.
لا بد من التذكير أن الدعوة للقتل والتكفير من الجرائم الإرهابية التي نص عليها القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015، في فصله 14 ثامناً: “التكفير أو الدعوة إليه أو التحريض على الكراهية أو التباغض بين الأجناس والأديان والمذاهب أو الدعوة إليهما”.
وعملاً عليه فإن ما حدث لمنير بعتور يُعد من الجرائم الإرهابية التي تستوجب من الدولة التدخل بصفة عاجلة لحمايته وإدانة الشيوخ، خاصة وقد وردته معلومات بأن سلامته الجسدية مهددة وأن الإسلاميين يخططون لتفجير سيارته.
لكن ما حصل كان العكس، إذ وقعت إدانة ضحية التكفير. بل وصدرت في شأنه بطاقة جلب في 5 نوفمبر 2019 ومنشور تفتيش في 2 فيفري 2025 وبطاقة جلب ثانية بالاستناد على اتفاقية تسليم المجرمين المعقودة بين دول الجامعة العربية المؤرخة في 14 سبتمبر 1952.
وبذلك فإن تواجد منير بعتور في أي بلاد عربية يهدد سلامته الجسدية وحريته، كما أنه بمقتضى الاتفاقية يقع ترحيله ومحاكمته في تونس من أجل جريمة لا وجود لها في نص قانوني أو بالأحرى من أجل فعل لا يمثل جريمة بل تعبير عن قناعاته الفكرية.
فمن المفروض أن تقوم المحاكم بتتبع وإدانة من يهددون الأشخاص الذين يتبنون معتقدًا مختلفًا عن المعتقد السائد، بدلًا من إدانة الملحدين واللادينيين. وذلك لأن القضاة ملزمون باحترام وتطبيق مبدأ عدم التمييز كما هو منصوص عليه في الدستور، وكذلك ضمان علوية الدستور والقانون وحماية الحقوق والحريات.
إذ عملاً بالفصل 117 من الدستور: “القضاء وظيفة مستقلة يباشرها قضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.” ولا يمكن بالتالي لقناعات القاضي الدينية أن تكون سلطانًا عليه في أحكامه، ولا لتقاليد وأعراف المجتمع تأثيرًا.
وفي هذا الإطار، يمكن اللجوء للفصل 166 من المجلة الجزائية للإقرار بالحماية الجزائية لحرية الضمير، والذي ينص على أنه: “يعاقب بالسجن مدة ثلاثة أشهر الإنسان الذي لا سلطة قانونية له على غيره ويجبره بالعنف أو التهديد على مباشرة ديانة أو على تركها.”
إن القاضي في قضية الحال لا يبدو مهتمًا بحماية الملحد كباقي المواطنين، بل بالعكس يبدو وكأنه مجبر إياه على الانصياع للتعاليم الدينية السائدة في المجتمع. فعوض أن يكون القاضي مرآة للمساواة وللقانون، فإنه لا يعدو أن يكون انعكاسًا للمجتمع، متجاهلًا تطوره واختلاف أفراده بعضهم عن البعض، وراميًا عرض الحائط الحريات الفردية.
وللتذكير، فإن القاضي في قضية جابر الماجري جعل دستور البلاد في مرتبة ثانية بعد الدين الإسلامي والمقدسات.
فباستئناف الحكم الابتدائي أمام محكمة الاستئناف بالمنستير (قرار عدد 1056 بتاريخ 18 جوان 2012)، اعتبرت المحكمة أنه: “ولئن كان المتهم حرا فيما يعتنقه من ديانة من عدم ذلك، الأمر الذي لا يمكن أن يناله التجريم لتعلقه بحريته الشخصية وبحرية المعتقد التي تكفلها المواثيق الدولية وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 والذي يكرسه أيضا دستور هذه البلاد. فإن تحقير الإسلام… يخرج عن نطاق ممارسة الفرد لحريته الشخصية… ذلك أنها تمس من مقدسات التونسي”.
لكن هل أن كل التونسيين مسلمين؟ هل أن كل التونسيين مؤمنين؟ بطبيعة الحال الإجابة تكون بالنفي، إذ أن التونسيين يتكونون أيضا من اليهود والمسيحيين وغيرهم من غير المسلمين والملحدين واللادينيين.
ومثل هذه العبارة “مقدسات التونسي” من شأنها ليس فقط نفي الحماية عن الملحدين التونسيين، بل أيضا عدم الاعتراف بحقوقهم وبحقهم في التعبير عن أفكارهم وقناعاتهم، وكأن المقدس هو فقط ديني وإسلامي.