قصة ميس — شهادة ذاتية


قصتي

اسمي ميس، عمري ثلاثون سنة، امرأة عابرة جندرياً من تونس.

منذ طفولتي كنت أشعر أنني مختلفة. لم يكن الجسد الذي وُلدت فيه يعبر عني، كنت أبحث عن نفسي في تفاصيل صغيرة: في الملابس النسائية، في أحمر الشفاه، في ضحكة بريئة أردت لها أن تكون أنثوية. لكن المجتمع حولي لم يرَ فيّ سوى خطأ يجب معاقبته.

كبرتُ في عائلة محافظة. كنت في العاشرة من عمري عندما سُرقت طفولتي لأول مرة بالاغتصاب على يد ابن عمتي. لجأتُ إلى عائلتي وأنا أبكي، أبحث عن حضن آمن، لكنني لم أجد سوى الضرب والإهانة. تحوّل جسدي الصغير إلى ساحة للعنف، وصرت “العار” في نظرهم. حلقوا شعري، أجبروني أن أغير صوتي وخطواتي، وأن أكون شخصًا آخر غيري.

في الحادية عشرة، ضبطتني أمي أضع أحمر الشفاه خلسة. كان ذلك اللون الأحمر هو عالمي السري، نافذتي الصغيرة للحرية. لكنها عاقبتني بوحشية، وضعت الفلفل الحار على شفتي، وأمرت أخي بأن يطردني إلى الشارع. خرجتُ طفلة صغيرة، ضعيفة، مكسورة، بلا بيت.

وجدت ملجأ للأطفال، لكن حتى هناك لم أعرف الأمان. تعرضت للاغتصاب من العاملين وهربت مرة أخرى. وجدت نفسي في الشوارع، جائعة، بردانة، مهانة. كنت أذهب إلى المدرسة بملابس ممزقة، وزملائي يسخرون مني، والمعلمون يعاقبونني. كنت أسمع دائمًا أنني “النتيجة الطبيعية لكل من يريد أن يعيش كالنساء في دولة إسلامية”.

في الخامسة عشرة، استغلني رجل يكبرني بثلاثين سنة. كان يعطيني طعامًا ومالًا قليلًا مقابل جسدي، وأنا مجبرة. وعندما اكتشفني أخي مع هذا الرجل، ضُربنا معًا، وحُبست في الإسطبل بجانب حمار، بعد أن حلقوا شعري مرة أخرى. لم يعد لي مكان في بيتي. هربت، وانضممت إلى أصدقائي من مجتمع الميم، الذين رغم فقرهم ونبذهم، منحوني شيئًا من الانتماء. لكننا لم نجد سوى بيع أجسادنا والعمل في النوادي الليلية لنوفر إيجار السكن ونكمل دراستنا.

يوماً ما، أوقفتنا الشرطة أمام نادٍ ليلي. اتهمونا بالإخلال بالأخلاق الحميدة، وبدأت رحلة كابوس جديد: تحرش، ابتزاز، تصوير فيديوهات، واغتصاب. ثم رُمينا في السجن. هناك، لم أعد إنسانة. صرت “دمية” يُغتصب جسدها، يُضرب، يُهان. أعوان السجن شجعوا السجناء على اغتصابنا، وعندما صرختُ ورفضت، عاقبوني بالزنزانة الانفرادية، بالاغتصاب الجماعي، بالتصوير، وبالحرمان من الطعام.

خرجتُ من السجن منهكة، لكنني تمسكت بحلم واحد: أن أدرس الهندسة. أخفيت نفسي وراء مظهر رجل، وأكملت دراستي حتى تخرجت. كانت لحظة تخرجي انتصارًا صغيرًا وسط بحر من الهزائم. لكن فرحتي لم تعش طويلًا. ألقي القبض عليّ مرة أخرى، وحُكم عليّ بثلاث سنوات جديدة. هناك، تعرضت لتعذيب وحشي بمادة كيميائية حارقة على أعضائي، مما تركني مشوهة ومدمنة على المورفين.

خرجتُ من السجن امرأة محطمة، مدمنة، مريضة، مشوهة النفس والجسد. لكنني لم أستسلم. بمساعدة شخص عزيز، هربت إلى تركيا، حيث بدأت رحلة علاج نفسي وجسدي. أجريت جراحات تجميلية لأخفي ملامحي، خوفًا من عائلتي ومن الشرطة. عائلتي لم ترحمني حتى من بعيد: أعلنوا موتي أمام الناس، بنوا قبراً يحمل اسمي، وحرموني من الميراث.

اليوم، أعيش في المنفى. بلا وطن، بلا أهل، بلا ميراث. لكنني أعيش، وأروي قصتي. قصتي ليست مجرد ماضٍ مؤلم، إنها شهادة على الظلم الذي يعيشه العابرون جندرياً في تونس. أنا ما زلت هنا، رغم كل شيء.


Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *