المقدمة

في الرابع من نوفمبر سنة 2019، نشر الشيخ السلفي خميس الماجري تدوينة خطيرة على صفحته في فيسبوك، يعرض فيها موقف المذهب المالكي من سبّ النبي محمد ﷺ. لكن الحقيقة أن هذه التدوينة لم تكن مجرّد نقل فقهي أو شرح علمي محايد، بل جاءت في سياق سياسي واجتماعي حسّاس، لتأخذ معنى آخر: التحريض على الكراهية، بل والتحريض على القتل.

ما يجعل الأمر أكثر خطورة أن الماجري نشر هذه التدوينة في وقت كان فيه المحامي والناشط الحقوقي منير بعطور في صدارة المشهد الإعلامي والسياسي، بسبب دفاعه المعلن عن الحريات الفردية، خصوصًا حقوق مجتمع الميم، وترشّحه السابق للانتخابات الرئاسية، وقيادته لحزب سياسي ليبرالي (الحزب الليبرالي التونسي)، ورئاسته لجمعية شمس.

بعطور كان هدفًا معلنًا للتيارات السلفية والمتشددة منذ سنوات، حيث تعرّض مرارًا للتهديدات، والهجمات الإعلامية، والدعاوى القضائية التي تُقدَّم غالبًا تحت عناوين مثل “المساس بالمقدسات”، “نشر الفاحشة”، “إفساد الأخلاق العامة”. وقد بلغت هذه التهديدات ذروتها ما بين 2019 و2020، ما اضطره في يناير 2020 إلى مغادرة تونس وطلب اللجوء السياسي في فرنسا، بعد تلقيه تهديدات جدية بالقتل من أطراف متشددة.

في هذا السياق بالذات، تأتي تدوينة خميس الماجري، وكأنها صبّ للزيت على النار: بدل أن يدعو للتهدئة، بدل أن يُدِين لغة العنف، يذهب إلى أبعد الحدود، ليُذكّر متابعيه بأن من يسبّ النبي ﷺ (وهو وصف ألصقه خصومه السياسيون والإعلاميون بمنير بعطور) يُقتل ولا تُقبل توبته، مستندًا في ذلك إلى نصوص فقهية مالكية.

علينا أن نكون واضحين: هذا ليس اجتهادًا فقهيًا بريئًا، ولا موقفًا أكاديميًا، بل هو خطاب يحرّض على القتل. وسنحاول في هذا المقال أن نفكّك مضمون هذه التدوينة، ونشرح كيف تحوّلت من خطاب ديني إلى دعوة مباشرة للعنف، ثم نحلّلها في ضوء القوانين التونسية، لنبيّن أنها لا تندرج تحت حرية التعبير، بل تحت خانة الجريمة.

الجزء الثاني: عرض مفصّل لمنشور خميس الماجري وسياقه الديني والاجتماعي

في منشوره بتاريخ 4 نوفمبر 2019، كتب خميس الماجري ما يلي، وسأنقل هنا خلاصاته الأساسية بأسلوب مبسط ومشروح:

«تونس مدينة مالكية، أليس كذلك؟ هذا هو موقف الإمام مالك والمالكية من سبّ الرسول ﷺ: من سبّ الرسول ﷺ يُقتل ولا تُقبل له توبة، سواء كان مسلماً أو ذمياً، وسواء سبّه صراحةً أو استهزأ به أو بشيء من خصاله. هذا هو الحكم عند الإمام مالك.»

بعد هذا التقديم، بدأ الماجري في استعراض سلسلة من المراجع الفقهية لدعم كلامه، منها: المدونة، الموطأ، المبسوط، البيان، التلقين، القاضي عياض، ابن رشد، الطرطوشي. كلها مصادر مالكية تُجمع على أن سبّ النبي ﷺ يُعتبر من الكبائر التي لا تُقبل فيها التوبة، وأن مرتكبها يُقتل حدًّا.

لكن السؤال هنا: لماذا نشر الماجري هذا الكلام في ذلك التوقيت بالذات؟ ولماذا اعتبرناه ليس مجرد درسًا فقهيًا؟

أولاً: التوقيت والسياق

كان اسم منير بعطور في تلك الفترة حاضرًا بقوة في النقاش العام، بسبب مواقفه الداعمة للحريات الفردية ومجتمع الميم، وتصريحاته حول علاقة الدين بالدولة، ومحاولاته السياسية. خصومه كانوا يهاجمونه علنًا، واتهاماته له بازدراء الدين كانت متداولة في الإعلام ومنصات التواصل.

الأهم أن صفحات سلفية ومتشددة كانت تنشر صوره مع شتائم علنية، وتحمّله مسؤولية «نشر الفاحشة» في تونس.

ثانياً: الجمهور المستهدف

الماجري ليس مجرد فقيه معزول. هو شخصية ذات حضور وتأثير، وله آلاف المتابعين، معظمهم من التيار السلفي. عندما ينشر مثل هذا الخطاب، فهو يعرف تمامًا أنه لا يخاطب جمهورًا أكاديميًا، بل جمهورًا غاضبًا يرى نفسه حامي الدين، وقد يلتقط الرسالة ويفهمها كدعوة للفعل.

ثالثاً: الصياغة غير البريئة

لم يكتفِ الماجري بعرض الحكم الفقهي، بل ركّز على أن التوبة لا تنفع، وأن القتل واجب، وأن «تونس مدينة مالكية» أي لا عذر لأحد بجهل هذا الحكم. الرسالة واضحة: هذا ليس فقط درسًا دينيًا، بل دعوة سياسية واجتماعية لإقصاء المختلفين.

في الخلاصة، هذه التدوينة ليست وثيقة فقهية، بل منشور تحريضي يُحمّل مسؤولية دم، ويُشرعن فكرة أن قتل منير بعطور وأمثاله مشروع دينيًا.

الجزء الثالث: التحليل القانوني التونسي – لماذا لا يدخل هذا المنشور ضمن حرية التعبير؟

1️⃣ الإطار القانوني التونسي

من المهم هنا التمييز بين حرية التعبير والتحريض على العنف. حرية التعبير، كما يضمنها الدستور التونسي والمعاهدات الدولية، تعني الحق في إبداء الرأي، حتى وإن كان صادمًا أو جدليًا. لكنها لا تعني مطلقًا الحق في الدعوة إلى ارتكاب الجرائم أو التحريض على القتل.

وفق دستور 2014:

  • الفصل 31: «حرية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر مضمونة.»
  • الفصل 49: ممارسة هذه الحقوق تخضع لضوابط يضبطها القانون، خصوصًا لحماية النظام العام وحقوق الآخرين.

وفي المجلة الجزائية التونسية:

  • الفصل 52: يعاقب كل من يدعو علنًا إلى ارتكاب جنايات أو جنح، ولو لم يترتّب عنها أثر، بالسجن من عام إلى خمس سنوات.
  • الفصل 121 ثالثًا: يعاقب كل من ينشر عمدًا أخبارًا أو إشاعات أو بيانات كاذبة بغرض الإضرار بالنظام العام أو بث الذعر بين السكان.
  • الفصل 222: يعاقب كل من يهدد غيره شفويًا أو كتابيًا أو بأي وسيلة أخرى بإلحاق ضرر بنفسه أو بماله.

2️⃣ المسؤولية الجنائية

حتى وإن ادّعى الماجري أنه لم يقصد شخصًا معينًا، فإن القانون لا يهتم فقط بالنية بل أيضًا بالأثر:

  • هل الخطاب موجه لجمهور قد يتلقاه كدعوة للفعل؟ نعم.
  • هل الخطاب يحمل خطرًا واقعيًا بتحفيز عمل عنيف؟ نعم، خصوصًا في السياق التونسي، مع انتشار التيارات المتشددة.
  • هل هناك ضحية محتملة معروفة؟ نعم، منير بعطور، المستهدف علنًا.

بالتالي، المسؤولية هنا ليست فقط أخلاقية، بل قانونية مباشرة، ويمكن أن تُؤسّس لملاحقة قضائية بتهمة التحريض على ارتكاب جريمة.

3️⃣ المعيار الدولي

تونس طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في المادة 20 على:
«تحظر بحكم القانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف.»

خطاب الماجري يندرج بوضوح ضمن هذا الإطار: خطاب ديني ظاهره فقهي، لكنه عمليًا تحريض على العداء والعنف.

في الخلاصة، لا يمكن اعتبار هذا المنشور جزءًا من حرية التعبير. هو خطاب تحريض مباشر، له جمهور مستعد، وله ضحية واضحة.

الجزء الرابع: الخلاصة والتوصيات العملية

أولاً: الخلاصة

بعد تحليل مضمون منشور خميس الماجري بتاريخ 4 نوفمبر 2019 وسياقه السياسي والاجتماعي، يتبيّن بوضوح أن:

  • هذا الخطاب لم يكن اجتهادًا فقهيًا بريئًا، ولا رأيًا علميًا معزولًا.
  • الرسالة كانت موجهة إلى جمهور يعرف تمامًا المقصود: منير بعطور، الذي كان وقتها يتعرّض لحملات تشويه وتهديدات علنية بسبب مواقفه الحقوقية.
  • خميس الماجري، كشخصية ذات نفوذ ديني، استعمل نصوصًا دينية ليُشرعن فكرة القتل، وهو يدرك مسبقًا خطورة ذلك.
  • هذا الخطاب لا يهدد فقط بعطور، بل يهدد السلم المدني ويمنح التيارات المتشددة مبررًا أخلاقيًا للعنف.

ثانياً: مسؤولية الدولة

القانون التونسي لا يسمح بمثل هذا الخطاب. بل يُلزم السلطات القضائية بفتح تحقيق فوري في أي تحريض علني على القتل، خصوصًا ضد شخصيات معروفة.

النيابة العمومية ملزمة بالتحرك من تلقاء نفسها، لأن التحريض على القتل جريمة ذات صبغة عمومية. كما أن على وزارة الداخلية توفير الحماية للضحايا المحتملين عند وجود تهديدات جدية.

الأخطر من ذلك: إذا استمر الصمت الرسمي تجاه هذا الخطاب، فإن الدولة تكون عمليًا تُعطي الضوء الأخضر للمتطرفين.

ثالثاً: التوصيات العملية

  • رفع شكاية قضائية: منير بعطور أو أي جهة حقوقية يمكنها تقديم شكاية مباشرة استنادًا إلى فصول المجلة الجزائية.
  • الضغط الإعلامي والحقوقي: حتى بدون شكاية شخصية، يجب تحريك الرأي العام للضغط على النيابة العمومية لفتح تحقيق رسمي.
  • تحرك الجمعيات الحقوقية: محليًا ودوليًا، لدق ناقوس الخطر حول خطاب الكراهية والتحريض باسم الدين.
  • دعوة الهيئات الدينية المعتدلة: لإصدار بيانات واضحة تُدين خطاب التحريض وتفكك خطورته أمام الجمهور.

في النهاية

هذه القضية ليست قضية شخص واحد، بل هي قضية مجتمع بأكمله. من حق كل تونسي وتونسية أن يختلف في الفكر والسياسة والدين، دون أن يصبح هدفًا مشروعًا للقتل. الدم ليس رأيًا، والقتل ليس فتوى. على الدولة والمجتمع المدني وكل الضمائر الحية أن تتحرك الآن، قبل فوات الأوان.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *