في تونس، يقف الرئيس قيس سعيّد على كلّ منبر ليرفع شعار «السيادة الوطنية» ويتوعد بـ«قطع دابر التدخّل الأجنبي». يتكلّم عن المؤامرات وعن الأيادي التي تعبث بالبلاد… لكن حين ننظر حولنا، نرى مشهداً آخر: عشرات الجمعيات الناشطة على الأرض، تتلقى تمويلات خيالية من الخارج، بدون أي رقابة حقيقية من الدولة. أموال بالمليارات تتدفّق باسم «حقوق الإنسان»، و«الحريات»، و«المساواة»… لكنها في الواقع تحمل وجهاً آخر: وجهاً لا علاقة له بحقوق ولا بحريات، بل بالتغلغل، والسيطرة، وصناعة وكلاء محليين لخدمة أجندات أجنبية.

نحن نتحدث هنا عن كيانات مثل جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات، موجودين من أجل المساواة، جمعية دمج للعدالة والمساواة، وجمعية كلام (CALAM). نتحدث عن شبكات مرتبطة بـأوكسفام وغيرها من المنظمات الدولية، التي تغرقها بالأموال والمشاريع والسفرات. تحت غطاء الدفاع عن الأقليات والنساء والمهاجرين و«المهمشين»، تُصنع قلاع نفوذ خارجي، تُربّى فيها أجيال من النشطاء الممولين، الذين يتحولون مع الوقت إلى أصوات ضغط، بل إلى مرتزقة ناعمين، يُمارسون الابتزاز السياسي، ويفرضون على الدولة مساراتها، ويُصدّرون للشارع قضايا لا علاقة لها بأولويات الشعب ولا باحتياجاته.

ليست المسألة هنا حرية ولا ديمقراطية ولا دفاع عن الحقوق، بل مشروع اختراق كامل. مشروع يتغلغل في المؤسسات، في الإعلام، في الشارع، وحتى في العقول. مشروع يجعل من تونس أرضاً رخوة قابلة للابتلاع، باسم «الدعم»، باسم «التمكين»، وباسم «العالمية».

اليوم، يجب أن نتوقّف ونسأل: لماذا كلّ هذا الصمت الرسمي؟ لماذا لا يُفتح ملفّ هذه الجمعيات التي تحوّلت إلى حصان طروادة؟ لماذا تُترك دمج وموجودين وكلام وتقاطع لتلعب على خطوط التوتّر المجتمعي، فيما الدولة تنشغل بالخطابات الفارغة؟

في هذا المقال، سنفتح الملفّات واحدة تلو الأخرى. سنكشف مصادر التمويل. سنفكّك الشبكات. وسنبيّن، بالدليل، كيف أصبحت تونس مرتعاً لتجارب أجنبية خطيرة، يُديرها محليون لكن يُخطّط لها في الخارج.

جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات

جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات ليست مجرد منظمة مجتمع مدني تنشط في الدفاع عن القضايا العادلة كما تحبّ أن تروّج لنفسها. تأسست رسميًا سنة 2020 وبدأت نشاطها بوضوح منذ 2021، لكنها في ظرف قصير جدًّا نجحت في شقّ طريقها بقوة داخل المشهد الحقوقي التونسي، ليس بكفاءة عملها، بل بحجم التمويلات الأجنبية التي تدفقت عليها بسخاء من جهات مثل مؤسسة المجتمع المفتوح (Open Society Foundations)، Heinrich Böll الألمانية، CIVICUS الجنوب إفريقية، وغيرها من شبكات الضغط الدولية.

تقاطع تُرفع شعاراتها عالية: الدفاع عن حرية التعبير، مناهضة القمع، دعم المهمّشين والمضطهدين، لكن خلف هذه الشعارات المثالية تتحرك آلة دقيقة، تعرف جيدًا كيف تستعمل لغة الحقوق لتصنع واقعًا سياسيًا يخدم الممولين أكثر مما يخدم تونس.

داخل الجمعية، يُدير المشهد الفعلي شخصية بارزة خلف الستار: أسرار بن جويرة، التي وإن لم تكن الرئيسة الرسمية، تدير التحالفات والعلاقات والتحركات بحنكة ودراية، توزّع الأدوار، تعبئ الناشطين، وتنسّق الحملات مع الخارج.

الجمعية تمكّنت من اختراق المشهد الإعلامي والسياسي، خلقت شبكات تأثير مع صحفيين ومحامين ونشطاء، وصارت لاعبًا حاضرًا في كل معركة سياسية أو حقوقية، من الهجرة إلى الحريات الجنسية إلى قضايا الأمن والشرطة.

الخطير هنا أنّ تقاطع لا تقدّم مجرد «موقف حقوقي»، بل باتت أشبه بجهاز ضغط ناعم، يُحرّك الشارع، يؤثر على الرأي العام، ويفرض على الدولة خيارات سياسية واجتماعية لا تنبع من الداخل بل تأتي جاهزة من الخارج، ومطعمة بملايين الدنانير التي لا تُعرف حقيقتها ولا مشروطيتها. إنها بكل وضوح، واجهة محلية لأجندة أجنبية، تشتغل بإسم النضال لكنها تُحاك بعقل بارد خلف المحيطات.

موجودين من أجل المساواة

موجودين من أجل المساواة ليست مجرد جمعية حقوقية تدافع عن فئة مهمشة كما تحب أن تُعرّف نفسها، بل هي واحدة من أكثر المشاريع حساسية وتأثيرًا في تونس منذ تأسيسها سنة 2013. في ظاهرها، تدافع عن حقوق مجتمع الميم والمساواة الجندرية والحرية الجنسية، لكنها عمليًا صارت رأس حربة مشروع أكبر بكثير من الحدود التونسية.

من مهرجان الأفلام الكويرية الذي نظمته على ثلاث دورات، إلى الورشات التي تستهدف الجامعات والمعاهد حول الصحة الجنسية والتثقيف الجندري والتعبير الهوياتي، إلى تدريبات السلامة الرقمية وبرامج التعاون مع المحامين ومنظمات دولية، نجد جمعية تحولت إلى ماكينة تروّج لنمط حياة وقيم اجتماعية وسياسية مستوردة، تخترق بها نسيج المجتمع التونسي التقليدي، وتفرض عبرها معايير لا تعترف بالاختلافات الثقافية ولا بالسياق المحلي.

التمويل؟ سخاء خارق: Giz الألمانية، التعاون السويسري، الاتحاد الأوروبي، KVINFO الدنماركية، MGRM المالطية وغيرها من الشبكات الأوروبية التي لا تبخل بالمال ولا بالبرامج ولا بالدعم اللوجستي.

الأدهى أنّ الجمعية لا تتحرك وحدها، بل خلقت شبكة تواصل مع مؤسسات إعلامية، ناشطين سياسيين، محامين، أطباء، ونشطاء من مختلف الاختصاصات، ليصبح خطابها حاضرًا على الشاشات، في الشوارع، وحتى في المناهج الجامعية.

هي ليست جمعية محلية، بل فرع من شبكة دولية ضخمة، تدير عبر تونس واحدة من أخطر معارك تغيير الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع، وكل ذلك تحت عنوان «المساواة». عمليًا، موجودين تحوّلت من مبادرة دفاعية صغيرة إلى معول ضغط خارجي على قلب المجتمع، تصدّر أجندات وتخلق معارك سياسية تُجهد الدولة والمجتمع في وقت واحد، وكل ذلك بواجهة ناعمة وملونة تحت اسم «الحقوق».

جمعية دمج للعدالة والمساواة

جمعية دمج للعدالة والمساواة، التي تأسست سنة 2011 ومقرها في عدد 39، الحفصية، تونس العاصمة، ليست مجرد جمعية للدفاع عن حقوق المثليين والمثليات والمتحولين جنسيًا كما تدّعي، بل هي واحدة من أكثر نقاط النفوذ الأجنبي إثارة للقلق في البلاد. تتواصل الجمعية عبر بريد damj.association@gmail.com وهاتف 29.255.664، ولها حضور نشط على فيسبوك Damj.Tunisie.

على مستوى الأنشطة، دمج لا تكتفي بالدعم النفسي والقانوني والاجتماعي للأفراد غير المستقرين، بل نظّمت قوافل تضامنية لدعم مثليين ملاحقين قضائيًا (مثل قضية طلبة القيروان)، وورش عمل حول النشوة الجنسية، الميول الجندرية، الإطار القانوني، السلامة الرقمية، حملات داخل الكليات والمدارس العليا حول التربية الجنسية والتعبير الجندري، ويوم وطني لدراسة أوضاع مجتمع الميم في أماكن السلب من الحرية.

لكن الأخطر يكمن في التمويلات: بين 2013 و2023، جمعت دمج ما قيمته 2.895.545 دينار تونسي من التمويل الأجنبي. تأتي هذه الأموال من قائمة طويلة من الممولين، أبرزهم:

  • محامون بلا حدود Avocats Sans Frontières
  • الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة IPPF
  • Dignity الدنماركي لمناهضة التعذيب
  • Minority Rights Group International
  • OMCT (المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب)
  • الاتحاد الأوروبي
  • الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH
  • MGRM وGraffitti المالطيتين

ما يزيد الطين بلّة أنّ الجمعية لا تنشر تقارير مالية مفصّلة أو شفافة حول كيفية صرف هذه الأموال، ما يفتح الباب أمام شبهات غسيل الأموال واستعمال التمويل لأغراض سياسية وإعلامية تتجاوز الأهداف المعلنة. داخل الجمعية، الأسماء البارزة مثل بعبو كرئيس، وبدر كمديرة تنفيذية، تقود شبكة واسعة من النشطاء المرتبطين بالخارج، يُدرّبون على حملات التأثير والضغط على الدولة عبر الإعلام والشارع، ويتم تصديرهم كأصوات معارضة بمواصفات «دولية».

في النهاية، دمج لم تعد مجرّد جمعية، بل ماكينة متكاملة: تمويلات ضخمة، شبكات محلية ودولية، حملات إعلامية، ضغط سياسي، اختراق قضائي، وقوة ناعمة تشتغل تحت عنوان «حقوق الإنسان»، لكنها عمليًا تتحرّك وفق أجندات مفروضة باليورو والدولار، تُهدّد ليس فقط بنية الدولة، بل حتى الهوية الثقافية والاجتماعية لتونس.

جمعية كلام (CALAM)

جمعية كلام (CALAM)، تأسست رسميًا سنة 2015 (بحسب موقع جمعيتي) أو 2017 (بحسب صفحتها على فيسبوك)، وتقدّم نفسها كجمعية نسوية حقوقية تدافع عن الفئات الضعيفة والمهمشة، وتعزز التسامح والتعايش داخل المجتمع، وتعمل على تمكين النساء ومجتمع الميم ومناهضة العنف والتمييز. يقع مقرّها في شارع الهادي شاكر، صلامبو 13، شقة 19، لافايات تونس، ويمكن الاتصال بها عبر الهاتف 71.833.453 أو 52.693.270 أو عبر بريدها الإلكتروني calam.tunisie@gmail.com، وصفحتها الرسمية على فيسبوك www.facebook.com/CalamTn.

على مستوى الأرقام، تلقت CALAM بين سنتي 2019 و2020 ما مجموعه 593.550 دينار تونسي من التمويلات الأجنبية، موزعة كالآتي:

  • 237.229 دينار سنة 2019
  • 356.321 دينار سنة 2020

أما إجمالي التمويلات الأجنبية المعلنة للفترة 2018–2020 فقد تجاوز 8.6 مليون دينار تونسي، لكن دون تقارير مفصلة أو شفافة تغطي السنوات من 2011 إلى 2015، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول حجم الأموال التي دخلت الجمعية قبل إعلانها نشر تقارير مالية.

الممولون والشركاء الدوليون يشكّلون شبكة واسعة تشمل: Minority Rights Group International، Hivos الهولندية، Heinrich Böll الألمانية، مؤسسة المجتمع المفتوح (جورج سوروس)، Giz الألمانية، الاتحاد الأوروبي، ACTED تونس، Ford Foundation الأمريكية، AFD الفرنسية، قطر (اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان)، الجامعة الأمريكية في بيروت، والعديد من المنظمات والشبكات الأوروبية والشرق أوسطية.

أنشطتها لا تقتصر على الورشات أو حملات التوعية، بل تشمل تدريب وتأطير نشطاء محليين، تنظيم برامج مثل Free to Be Me لتعزيز قادة مجتمع الميم، دعم المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، تنظيم حملات مناهضة العنصرية، وحتى الدخول في شبكات التأثير السياسي والاجتماعي لتأطير خطاب عام حول قضايا حساسة جدًا للمجتمع التونسي. أخطر ما في CALAM أنها لا تعمل منفردة؛ بل تتحرك ضمن شبكة جمعيات ممولة أجنبيًا، تتقاطع أنشطتها مع جمعيات مثل موجودين ودمج، وكلها مدعومة بميزانيات ضخمة، دون رقابة فعلية من الدولة، مما يجعلها رأس حربة في مشروع اختراق ناعم يُعاد هندسة المجتمع من خلاله، باسم الحقوق والحريات.

الخاتمة

خرجنا في هذا التحقيق من وراء ستار الشعارات البراقة ليظهر لنا مشهد قلق: جمعيات تنشط تحت مسمّى الدفاع عن الحريات والحقوق، لكنها في الواقع تعمل كواجهات لأجندات عالمية تُدار من الخارج، وتُموّل بما لا يُعدّ ولا يُحصى، دون أي رقابة أو مساءلة داخلية. هذه الجهات لا تحاول فقط تقديم دعم رمزي، بل تبني نموذجًا لجهاز ضغط ناعم يمكنه تغيير ملامح الدولة والمجتمع من الداخل.

اليوم، لا تفصلنا مجرد علامات استفهام عن مصادر التمويل وطرق الصرف، بل تفصلنا مسألة سيادة وطنية حقيقية ومستقبل اجتماعي وثقافي يجب أن يُحكمه المواطن وليس الأموال العابرة للحدود. دور الدولة لم يعد يقتصر على إطلاق الشعارات، بل يتطلب إجراءات ملموسة: فتح الملفات، محاسبة المسؤولين، وتفعيل آليات الحوكمة والرقابة.

في النهاية، تونس تحتاج إلى وعي جماعي وأدوات قانونية قوية تضمن أن يكون لكل جمعية أجندتها، ولكل دعم خارجي سقفه وشروطه، وأن تبقى المؤسسة الديمقراطية التونسية قوية ومستقلة. إن لم يتحرك المسؤولون والشعب الآن، سيصبح المستقبل مفتوحًا لغزوات ناعمة تُفرض على تناسق هوية هذا البلد وتكويناته.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *